الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

170

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والخطاب في فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لأن هذا الكلام مسوق لتسليته على عدم استجابتهم له ، فنفي وجدان الأولياء كناية عن نفي وجود الأولياء لهم لأنهم لو كانوا موجودين لوجدهم هو وعرفهم . والأولياء : الأنصار ، أي لن تجد لهم أنصارا يخلصونهم من جزاء الضلال وهو العذاب . ويجوز أن يكون الأولياء بمعنى متولي شأنهم ، أي لن تجد لهم من يصلح حالهم فينقلهم من الضلال كقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] . وجمع الأولياء باعتبار مقابلة الجمع بالجمع ، أي لن تجد لكل واحد وليا ولا لجماعته وليا ، كما يقال : ركب القوم دوابهم . و مِنْ دُونِهِ أي غيره . وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً ذكر المقصود من نفي الولي أو المآل له بذكر صورة عقابهم بقوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ الآية . والحشر : جمع الناس من مواضع متفرقة إلى مكان واحد . ولما كان ذلك يستدعي مشيهم عدي الحشر بحرف ( على ) لتضمينه معنى ( يمشون . وقد فهم الناس ذلك من الآية فسألوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم كيف يمشون على وجوههم ؟ فقال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم . والمقصود من ذلك الجمع بين التشويه والتعذيب لأن الوجه أرق تحملا لصلابة الأرض من الرجل . وهذا جزاء مناسب للجرم ، لأنهم روّجوا الضلالة في صورة الحق ووسموا الحق بسمات الضلال فكان جزاؤهم أن حولت وجوههم أعضاء مشي عوضا عن الأرجل . ثم كانوا عُمْياً وَبُكْماً جزاء أقوالهم الباطلة على الرسول وعلى القرآن ، و صُمًّا جزاء امتناعهم من سماع الحق ، كما قال تعالى عنهم : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصّلت : 5 ] . وقال عنهم : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [ طه :